عبد الوهاب الشعراني

315

لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية

وفي رواية للنسائي مرفوعا : « من ولي منكم عملا فأراد اللّه به خيرا جعل له وزيرا صالحا ، إن نسي ذكّره ، وإن ذكر أعانه » . وروى البخاري والنسائي مرفوعا : « ما بعث اللّه من نبيّ ولا استخلف من خليفة إلّا كانت له بطانة تأمره بالمعروف ، وتحضّه عليه ، وبطانة تأمره بالشّرّ وتحضّه عليه ، والمعصوم من عصمه اللّه » . وفي رواية : « وهو إلى من يغلب منهما » واللّه تعالى أعلم . [ الحث على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر : ] ( أخذ علينا العهد العام من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ) أن نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر سواء أنفسنا وغيرنا فإن كلاهما واجب . ويحتاج من يريد العمل بهذا العهد إلى سلوك على يد شيخ صادق يعرفه طرق السياسة ليدخل منها إلى حضرة انقياد الناس له ، فإن كثيرا من الناس يأمر بمعروف أو ينهى عن منكر من غير سياسة ، فيزداد المنكر بقيام نفس ذلك العاصي أو الظالم مثلا . وقد رأيت فقيها مر في الحمام على شخص مكشوف الفخذين فوكزه برجله باحتقار وازدراء ، وقال حرام عليك هذا ، فقال الشخص جكارة فيك يا فقيه أن أرمي المئزر أصلا فرماه جكارة في الفقيه ، ولو أنه كان يعرف طرق السياسة لجلس إليه برفق ، وقال له في أذنه يا سيدي أنت من ذوي المروءات ونخاف أن أحدا ينظرك فيعترض عليك ، فكان الآخر يقول له جزاك اللّه تعالى عني خيرا ، وكثيرا ما يأمر إنسان بمعروف أو ينهى عن منكر بغير سياسة فيحصل له ضرر ويصير يقول أنا ظالم الذي أمرت فلانا أو نهيته ، ولكن تبت إلى اللّه إني ما عدت آمر بالمعروف أو أنهى عن المنكر فيجعل الواجب محظورا ويستغفر منه ، وكل ذلك من قلة السياسة . واعلم يا أخي أن الإجماع منعقد على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، قال اللّه تعالى : وَلَوْ لا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ [ البقرة : 251 ] . وما قام الدين إلا بذلك ، وقد ذم اللّه تعالى بني إسرائيل بقوله تعالى : كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ ( 79 ) [ المائدة : 79 ] . وقد جعل الشارع صلى اللّه عليه وسلم لتغيير المنكر ثلاثة طرق : اليد واللسان والقلب . وكان سيدي علي الخواص رحمه اللّه يقول : تغيير المنكر باليد للولاة الذين إن ضربوا العاصي لا يقدر بضربهم ، وتغييره باللسان للعلماء العاملين ، فيأمرون الناس وينهونهم فيمتثلون قولهم ، وتغييره بالقلب لكمل العارفين فيتوجه العارف إلى اللّه في كسر جرة الخمر ، فتنفلق نصفين بنفسها وإلى الظالم فتيبس يده ، التي يضرب بها ذلك المظلوم ، فقلت له : إن الشارع جعل ذلك أضعاف الإيمان فقال : جعله صحيح ، لأن الإنسان ، كلما ارتفع عن حجاب الإيمان إلى حضرة الإحسان رق حجاب إيمانه فكنى عن تلك الرقة بالضعف بالنظر لمرتبة الشهود الواقع لأهل حضرة الإحسان ، فليس المراد